بقلم / عبد الغني جبران ـ تمارة
يواجه إصلاح المنظومة التربوية بالمغرب عراقيل متكررة، بسبب الاعتماد على نفس الموارد البشرية التي ساهمت في فشل الإصلاحات السابقة. فقبل الحديث عن الانتقال إلى مدرسة جديدة، كان الأجدر بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين إجراء جرد دقيق لأسباب تعثر الرؤية الاستراتيجية، وتحديد المسؤولين عن فشل تنزيلها. غير أن التغاضي عن المحاسبة والتمسك بنفس القادة التربويين، سواء مركزياً أو جهوياً، دليل واضح على أن هؤلاء القادة أقوى من الإرادة السياسية نفسها.
لقد شهد المغرب محاولات إصلاح متكررة، غير أن العرقلة كانت دائماً تأتي من الداخل، من لوبيات تربوية متغلغلة في مفاصل المنظومة، تحافظ على مواقعها من خلال خلق الأزمات وتشتيت الانتباه عن الإصلاح الحقيقي. فمنذ البرنامج الاستعجالي وبيداغوجيا الإدماج، التي تم إعلان فشلها بشكل مفاجئ دون تقييم موضوعي، كان واضحاً أن هناك جهات تسعى إلى إفشال أي مشروع إصلاحي يُهدد مصالحها.
الوزراء في مواجهة الدولة العميقة التربوية
حين قرر الوزير التكنوقراطي رشيد بالمختار وضع حد لسيطرة المصالح الضيقة عبر مباراة شفافة لتعيين مسؤولين إقليميين، جاءت المقاومة من قلب البرلمان، حيث واجهه رئيس الحكومة آنذاك بتصريح شهير: أنا الذي عينني الملك، ولست أنت . هذا الموقف يختزل كيف تُدار الأمور في قطاع حساس كالتعليم، حيث الولاءات السياسية والإدارية تتغلب على منطق الكفاءة والاستحقاق.
أما الوزير محمد حصاد، فبمجرد أن بدأ في تفكيك اختلالات المنظومة، وجد نفسه في قلب زوبعة الحركة الانتقالية، التي استُخدمت كأداة لتشويهه وإضعافه، قبل أن يتم إعفاؤه تحت غطاء أحداث منارة الريف. وفيما نجا الوزير سعيد أمزازي مؤقتاً بفضل جائحة كورونا، لم يسلم التكنوقراطي شكيب بنموسى من الهجمات، خاصة بعد محاولته استبدال بعض القيادات التربوية المتجذرة، حيث تم جره إلى صراع عقيم حول النظام الأساسي لنساء ورجال التعليم، وهو صراع خُلِق عمداً لإضعافه وإفشال مشروعه.
أما اليوم، فالوزير الحالي القادم من التدبير المقاولاتي يواجه تحدياً أكبر، إذ يسعى إلى اعتماد منطق أحسن منتوج بأقل تكلفة، وهو ما سيصطدم لا محالة مع أصحاب النفوذ داخل القطاع، الذين احترفوا خلق الفتن والتشويش، كما ظهر جلياً في التقرير الأخير للمجلس الأعلى للتربية والتكوين، الذي أعلن فشل نظام الأكاديميات، مما يضع الوزير في مواجهة مباشرة مع الدولة العميقة التربوية.
هل تملك الحكومة الجرأة لمواجهة الحرس القديم؟
إن استمرار نفس الوجوه في قيادة القطاع لعقود، رغم تعاقب الحكومات، يؤكد أن مشكل التعليم في المغرب ليس نقصاً في الخطط والاستراتيجيات، بل هو أزمة حوكمة ومساءلة. فكيف يُعقل أن تُكلَّف نفس الجهات التي فشلت في تنزيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين بالإشراف على إصلاح جديد؟ أليس في ذلك تكريس للعقم الإداري وعجز الدولة عن إنتاج كفاءات جديدة قادرة على قيادة التغيير؟
اليوم، إذا كانت الحكومة جادة في بناء مدرسة حديثة، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون إصلاحاً جذرياً يبدأ بتفكيك مراكز النفوذ داخل المنظومة التربوية، وتحرير القطاع من القيادات المتكلسة والمكولسة، التي أثبتت فشلها مراراً. فالتعليم ليس مجرد قطاع إداري، بل هو قضية وطنية وأمن قومي، ومتى استمر الفشل في إصلاحه، فإن مستقبل البلاد بأكمله سيكون في خطر.
إن المجابهة تتطلب من الوزير الحالي جرأة غير مسبوقة، ما عليه إلا الاستعانة بفريقه الحكومي، واستغلال أغلبيته البرلمانية، لأن الشعب المغربي بحاجة إلى استنشاق هواء تربوي نظيف. فلا يمكن بناء تعليم حديث بأدوات فاسدة، ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي دون مساءلة ومحاسبة